اسماعيل بن محمد القونوي
381
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الشرع أو مما يتوقف على الشرع إذ المراد كما عرفت الدعوة من جهة الاعتداد ولو زاد قوله وإلى الأحكام الشرعية العملية لكان أتم والظاهر أن هذه الأحوال الثلاثة أحوال مقدرة لكن تخصيص الأول به يوهم أن هذه الأحوال من الأحوال المحققة ولعل سره أن الإرسال إن قيد بقومك يكون محققة « 1 » لا محالة وإلا فتكون مقدرة . قوله : ( بتيسيره ) نبه به على أن الإذن هنا مجاز عن التيسير والتسهيل إذ الإذن سبب للتسهيل لا سيما إذا كان من اللّه تعالى لأنه إذا أذن له يوفق ويهيئ أسبابه ولا يقال لأنه إذا أذن في شيء فقد أراده لأنه أذن لكل مكلف الإيمان والطاعة مع أنه لم يردهما في بعض الأشخاص إلا أن يقال المراد فقد أراده حين أراد المكلف إذ إرادة اللّه لا تتحقق إلا بعد إرادة العبد . قوله : ( اطلق له من حيث إنه من أسبابه ) أي اطلق الإذن على التسهيل مجازا مرسلا لأنه من أسبابه كما أوضحناه آنفا ولم يحمله على حقيقته لأنه منفهم من أرسلنا . قوله : ( وقيد به الدعوة ايذانا بأنه أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه ) وقيد به الدعوة والتبشير والانذار يستلزمان الدعوة ففي المعنى قيد لهما أيضا بل لا يبعد أن يكون قيدا لشاهدا أيضا إذ جميع أمور الرسول عليه السّلام إنما هو بإذنه تعالى . قوله : ( يستضاء به عن ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره أنوار البصائر ) يستضاء تفسيرا قوله : أطلق من حيث إنه من أسبابه يعني أريد بلفظ الأذن التيسير مجازا من باب إطلاق اسم السبب على المسبب فإن الأذن سبب التيسير وإنما صير إلى المجاز لأن في إرادة الحقيقة معنى التكرار الغير المفيد لأن معنى الأذن قد فهم من قوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ [ الأحزاب : 45 ] داعيا وفائدة تقييد الدعوة به الإيذان بصعوبة أمر الدعوة وأنها لا تتيسر ولا تستطاع إلا إذا سهله اللّه تعالى ويسره ومنه قولهم في البخيل أنه غير مأذون له في الإنفاق لكونه شاقا عليه داخلا في حد التعذر . قوله : يستضاء به عن ظلمات الجهل أي أرسلناك سراجا منيرا بأن كشفنا بك ظلمات الشرك والجهل واهتدى بنور نبوتك الضالون كما يكشف ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدي به وتقوى بنور إرشادك أنوار البصائر كما يقوى بنور السراج نور الإبصار ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء لقلة دهنه ودقة فتيلته وفي كلام بعضهم ثلاثة تضيء رسول بطيء وسراج غير مضيء ومائدة ينتظر لها من يجيء وأنشدني في هذا المعنى : رسم جرى في الناس ليس بحامد * جوع الجماعة بانتظار الواحد وسئل بعضهم عن الموحشين قال هما ظلام ساتر وسراج فاتر وقيل معناه ذا سراج منير قال الزجاج وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 46 ] أي وكتابا بينا وقال أبو البقاء السراج اسم للتسريج وليس بمصدر ولعله معطوف على محذوف مثل فراقب أحوال أمتك وإنما ارتكب إلى الحذف والتقدير لأن قوله : وَبَشِّرِ [ الأحزاب : 47 ] واقع في مقابلة وصفه عليه الصلاة والسّلام بالشاهد
--> ( 1 ) هذا بناء على أن المراد بالإرسال أمر ممتد لكونه حاصلا بالمصدر أي المرسلية .